مجد الدين ابن الأثير
426
المختار من مناقب الأخيار
الجنّة ، فأحببت أن آكل منها لقمة . فأكلت طعاما لا يشبه طعام أهل الدّنيا ، ثم احتشمت ، فقمت فرجعت إلى مجلسي ، فلما فرغ من أكله أخذ الوصيف القصعة ، ثم أهوى « 1 » راجعا من حيث جاء ، ومال الرّجل منصرفا ، فتبعته لأعرفه ، فلا أدري أين سلك ؟ فظننته الخضر عليه السلام « 2 » . * * * وقال محمد بن إسماعيل بن أبي فديك : كان عندنا رجل يكنى أبا نصر ، من جهينة ، ذاهب العقل ، في غير ما النّاس فيه ، لا يتكلّم حتى يكلّم ، وكان يجلس مع أهل الصّفّة في آخر مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان إذا سئل عن شيء أجاب فيه جوابا حسنا معجبا ، فأتيته يوما وهو في مؤخر المسجد مع أهل الصّفّة منكّسا رأسه ، واضعا جبهته بين ركبتيه ، فجلست إلى جنبه ، فحرّكته ، فانتبه فزعا ، فأعطيته شيئا كان معي ، فأخذه وقال : قد صادف منّا حاجة . فقلت له : يا أبا نصر ، ما الشّرف ؟ قال : حمل ما ناب العشيرة أدناها فأقصاها ، والقبول من محسنها ، والتجاوز عن مسيئها . قلت له : فالمروءة ؟ قال : إطعام الطعام ، وإفشاء السلام ، وتوقّي الأدناس . قلت له : فما السّخاء ؟ قال : جهد مقلّ . قلت له : فما الضّحك « 3 » ؟ قال : أفّ . وحوّل وجهه عنّي ، فقلت : تجيبني ؟ قال : قد أجبتك . وقدم علينا هارون فأخلي له المسجد ، فوقف على قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعلى منبره ، وفي موقف جبريل عليه السلام ، واعتنق أسطوانة التّوبة ، ثم قال : قفوا بي على أصحاب الصّفّة . فلمّا أتاهم حرّك أبو نصر ، وقيل : هذا أمير المؤمنين . فرفع رأسه ، وقال : أيّها الرجل ، إنّه ليس بين عباد اللّه وأمّة
--> ( 1 ) في ( ب ) : « فأهوى بها » . ( 2 ) صفة الصفوة 2 / 197 . ( 3 ) في صفة الصفوة : « فما البخل » . وهو أشبه بالصواب .